Um6ien

القراءة أم الكتابة ؟

كلما لَمحتُ قلما و ورقة  تناهيا إلى مرآي مشروعا فكرياً عظيماً، و سال لُعابي الذهني، و تسابقت الحروف فيما بينها و الكلمات لتجسيد

فكرة و بث الروح فيها

 إن الكتابة باعتبارها عملاً فكرياً و فنياً مُقدساً،  لها من المؤهلات ما يجعلها ضرورة ملحة للسمو بالمستوى الفكري-الثقافي و الفني-الإبداعي للفرد و المُجتمع.

 لطالما نالت القراءة حُظوة و سناءاً، و بات من المألوف و المسلمِ به عند جميعنا بأنها أوكسيجين العقل و الغداء السليم للروح، و دُست في عقولنا على أنها رمز للرقي، و السر الكامن الذي سيخلص الأمم من الركود الفكري و يقودها نحو الطفرة التي ما فتئت تحلم بها. لاجرَم أن القراءة هي بالفعل المحفز الأساسي للعقل، إنها تخرجنا من ضيق النظر و الاطلاع، و تنقذنا من حرج السؤال. ولكن بالنسبة لي، إذا اعتبرنا القراءة بذرة فالكتابة هي الشجرة، و إنه لمن الظلم و اللاعدل زرع البذرة دون الظفر، نهاية، بشجرة غنّاء. إن من يقرأ ولا يكتب، تماما، كمن يأخذ ولا يعطي، يحجب بنات أفكاره عن العيان بدل أن يخلع القناع عنها.

إن القارئ الناضج لابد أن يصل لمرحلة يخدش فيها حياء قلمه، و ينزع العذرية عن أوراقه، فنضجه و اطلاعه  يسمحان له بممارسة الكتابة التي تعبر، أولا و أخيرا، عن فهمه لذاته و استيعابه لما يُحاك في نفسه و ما يحيكه العالم حوله؛ ليس ذلك فقط، بل إن الكتابة هي المكان الذي يضع فيه الكاتب كل قراءاته ، دون أن يشعر بذلك.

انقسمت الكتابة و الكتاب إلى أقسام شتى، فهناك من يكتب حاملا قضية ـ عاطفية كانت أو فكرية أو وطنية…ـ و هناك من يكتب ليُحاكي نفسه و ينهمك في ذاته الأكثر عمقا بصدق النية الروحية، و هناك من يكتب للحصول على الحُظوة الفكرية و حتى يتصل بعقله بشكل أفضل. أما الكتاب ذوو القضايا فإنهم الأكثر تأثيرا، تجدهم يكتبون بشراهة دون الاكتراث لعدد القراء و لا الاهتمام بمدى نجاح ما تخطه أناملهم، همهم الوحيد هو التعبير عن المسكوت عنه الذي يختبئ كغصةٍ في دواخلهم، تقول -لوري لانسينس- الكاتبة الثورية: ’’اكتب كما لو أن أحداً لن يقرأ لك، بهذه الطريقة ستتأكد من أنك تروي الحقيقة’’. بينما النوع الثاني من الكُتاب يتخذ الكتابة وسيلة للسمو الروحي أو علاجا نفسيا أحيانا، إنها بالفعل كذلك، فقد أخد العديد من الأطباء النفسيين و أخصائيي التنمية الذاتية يصفون الكتابة للمرضى كوسيلة للاستشفاء، و التخفيف من الضغوط النفسية و تارةً لغرض تعزيز ملكة الإبداع لدى الأفراد، تحدثت الدكتورة -جوليا كامرون- في كتابها (طريقة الفنان) عن ما سمته -صفحات الصباح- ، إنه التمرين الكتابي الصباحي الذي يعمل على التحسين من الصحة النفسية و تحفيز الجانب الإبداعي في الشخصية، ألقى التمرين استحسان عدد كبير من الناس و مازال تأثيره قائما.  ثم الصنف الأخير من الكتاب من يسبرون أغوار العقل البشري، منهم كبار كتاب الفكر و الفلاسفة و النقاد و بعض الشعراء كذلك،  ،إنهم أكثر الأكثرين و كتاباتهم شاهدة عليهم قديما و حديثا، إلا أن بعضها أصابها الجدام حتى لا يكاد الناس يلتفتون إليها ، لأن كتابة الفكر متمثلة في التجديد والتطوير، و المناقشات كفيلة بطمس بعض الآراء و المواقف و دفنها.

على سبيل الختام، لا يسعني تشبيه معاناة الكتابة إلاّ بمعاناة المخاض، لكنها تمنحنا في النهاية الرضا بما أنجبته أناملنا. إنها لا تسهُل على الجميع كما أنها لا تصعُب على أحد، لأن معيارَها الشغف، وميزانها المعنى، ومفتاحُها القراءة بحبٍ ونهمٍ ومداومة

Khadija Drif

Khadija Drif

3ème année infirmière polyvalente
Rédactrice en arabe

Suivez nous

Entrez en contact.